{"tafsir":{"verses":{"2:256":{"id":263}},"resource_id":14,"resource_name":"ابن كثير","language_id":9,"slug":"ar-tafsir-ibn-kathir","translated_name":{"name":"Tafsir Ibn Kathir","language_name":"english"},"text":"<p lang=\"ar\" class=\"ar \">يقول تعالى : <span class=\"arabic qpc-hafs\">( لا إكراه في الدين )</span> أي : لا تكرهوا أحدا على الدخول في دين الإسلام فإنه بين واضح جلي دلائله وبراهينه لا يحتاج إلى أن يكره أحد على الدخول فيه ، بل من هداه الله للإسلام وشرح صدره ونور بصيرته دخل فيه على بينة ، ومن أعمى الله قلبه وختم على سمعه وبصره فإنه لا يفيده الدخول في الدين مكرها مقسورا . وقد ذكروا أن سبب نزول هذه الآية في قوم من الأنصار ، وإن كان حكمها عاما .</p><p lang=\"ar\" class=\"ar \">وقال ابن جرير : حدثنا ابن بشار حدثنا ابن أبي عدي عن شعبة عن أبي بشر ،<span class=\"blue\"> عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال :</span> كانت المرأة تكون مقلاتا فتجعل على نفسها إن عاش لها ولد أن تهوده ،<span class=\"blue\"> فلما أجليت بنو النضير كان فيهم من أبناء الأنصار فقالوا :</span> لا ندع أبناءنا فأنزل الله عز وجل : <span class=\"arabic qpc-hafs\">( لا إكراه في الدين قد تبين الرشد من الغي )</span></p><p lang=\"ar\" class=\"ar \">وقد رواه أبو داود والنسائي جميعا عن بندار به ومن وجوه أخر عن شعبة به نحوه . وقد رواه ابن أبي حاتم وابن حبان في صحيحه من حديث شعبة به ،<span class=\"blue\"> وهكذا ذكر مجاهد وسعيد بن جبير والشعبي والحسن البصري وغيرهم :</span> أنها نزلت في ذلك .</p><p lang=\"ar\" class=\"ar \">وقال محمد بن إسحاق عن محمد بن أبي محمد الجرشي عن زيد بن ثابت عن عكرمة أو عن سعيد <span class=\"reference brown\">[ بن جبير ]</span> عن ابن عباس قوله : <span class=\"arabic qpc-hafs\">( لا إكراه في الدين )</span> قال : نزلت في رجل من الأنصار من بني سالم بن عوف يقال له : الحصيني كان له ابنان نصرانيان ،<span class=\"blue\"> وكان هو رجلا مسلما فقال للنبي صلى الله عليه وسلم :</span> ألا أستكرههما فإنهما قد أبيا إلا النصرانية ؟ فأنزل الله فيه ذلك .</p><p lang=\"ar\" class=\"ar \">رواه ابن جرير وروى السدي نحو ذلك وزاد : وكانا قد تنصرا على يدي تجار قدموا من الشام يحملون زيتا فلما عزما على الذهاب معهم أراد أبوهما أن يستكرههما ، وطلب من رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يبعث في آثارهما ، فنزلت هذه الآية .</p><p lang=\"ar\" class=\"ar \">وقال ابن أبي حاتم : حدثنا أبي حدثنا عمرو بن عوف أخبرنا شريك عن أبي هلال عن أسق قال : كنت في دينهم مملوكا نصرانيا لعمر بن الخطاب فكان يعرض علي الإسلام فآبى فيقول : <span class=\"arabic qpc-hafs\">( لا إكراه في الدين )</span> ويقول : يا أسق لو أسلمت لاستعنا بك على بعض أمور المسلمين .</p><p lang=\"ar\" class=\"ar \">وقد ذهب طائفة كثيرة من العلماء أن هذه محمولة على أهل الكتاب ومن دخل في دينهم قبل النسخ والتبديل إذا بذلوا الجزية .<span class=\"blue\"> وقال آخرون :</span> بل هي منسوخة بآية القتال وأنه يجب أن يدعى جميع الأمم إلى الدخول في الدين الحنيف دين الإسلام ، فإن أبى أحد منهم الدخول فيه ولم ينقد له أو يبذل الجزية ، قوتل حتى يقتل .<span class=\"blue\"> وهذا معنى الإكراه قال الله تعالى :</span> <span class=\"arabic qpc-hafs\">( ستدعون إلى قوم أولي بأس شديد تقاتلونهم أو يسلمون )</span> <span class=\"reference brown\">[ الفتح : 16 ]</span> وقال تعالى : <span class=\"arabic qpc-hafs\">( يا أيها النبي جاهد الكفار والمنافقين واغلظ عليهم )</span> <span class=\"reference brown\">[ التحريم : 9 ]</span> وقال تعالى : <span class=\"arabic qpc-hafs\">( يا أيها الذين آمنوا قاتلوا الذين يلونكم من الكفار وليجدوا فيكم غلظة واعلموا أن الله مع المتقين )</span> <span class=\"reference brown\">[ التوبة : 123 ]</span> وفي الصحيح : <span class=\"red\">\" عجب ربك من قوم يقادون إلى الجنة في السلاسل \"</span> يعني : الأسارى الذين يقدم بهم بلاد الإسلام في الوثائق والأغلال والقيود والأكبال ثم بعد ذلك يسلمون وتصلح أعمالهم وسرائرهم فيكونون من أهل الجنة .</p><p lang=\"ar\" class=\"ar \">فأما الحديث الذي رواه الإمام أحمد : حدثنا يحيى عن حميد عن أنس : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لرجل : <span class=\"red\">\" أسلم \"</span> قال : إني أجدني كارها .<span class=\"blue\"> قال :</span> <span class=\"red\">\" وإن كنت كارها \"</span> فإنه ثلاثي صحيح ، ولكن ليس من هذا القبيل ،<span class=\"blue\"> فإنه لم يكرهه النبي صلى الله عليه وسلم على الإسلام بل دعاه إليه فأخبر أن نفسه ليست قابلة له بل هي كارهة فقال له :</span> <span class=\"red\">\" أسلم وإن كنت كارها ؛ فإن الله سيرزقك حسن النية والإخلاص \"</span> .</p><p lang=\"ar\" class=\"ar \">وقوله : <span class=\"arabic qpc-hafs\">( فمن يكفر بالطاغوت ويؤمن بالله فقد استمسك بالعروة الوثقى لا انفصام لها والله سميع عليم )</span> أي : من خلع الأنداد والأوثان وما يدعو إليه الشيطان من عبادة كل ما يعبد من دون الله ، ووحد الله فعبده وحده وشهد أن لا إله إلا هو <span class=\"arabic qpc-hafs\">( فقد استمسك بالعروة الوثقى )</span> أي : فقد ثبت في أمره واستقام على الطريقة المثلى والصراط المستقيم .</p><p lang=\"ar\" class=\"ar \">قال أبو القاسم البغوي : حدثنا أبو روح البلدي حدثنا أبو الأحوص سلام بن سليم ،<span class=\"blue\"> عن أبي إسحاق عن حسان هو ابن فائد العبسي قال :</span> قال عمر رضي الله عنه : إن الجبت : السحر ،<span class=\"blue\"> والطاغوت :</span> الشيطان ، وإن الشجاعة والجبن غرائز تكون في الرجال ، يقاتل الشجاع عمن لا يعرف ويفر الجبان من أمه ، وإن كرم الرجل دينه ، وحسبه خلقه ، وإن كان فارسيا أو نبطيا . وهكذا رواه ابن جرير وابن أبي حاتم من حديث الثوري عن أبي إسحاق عن حسان بن فائد العبسي عن عمر فذكره .</p><p lang=\"ar\" class=\"ar \">ومعنى قوله في الطاغوت : إنه الشيطان قوي جدا فإنه يشمل كل شر كان عليه أهل الجاهلية ، من عبادة الأوثان والتحاكم إليها والاستنصار بها .</p><p lang=\"ar\" class=\"ar \">وقوله : <span class=\"arabic qpc-hafs\">( فقد استمسك بالعروة الوثقى لا انفصام لها )</span> أي : فقد استمسك من الدين بأقوى سبب ،<span class=\"blue\"> وشبه ذلك بالعروة الوثقى التي لا تنفصم فهي في نفسها محكمة مبرمة قوية وربطها قوي شديد ولهذا قال :</span> <span class=\"arabic qpc-hafs\">( فقد استمسك بالعروة الوثقى لا انفصام لها والله سميع عليم )</span> .</p><p lang=\"ar\" class=\"ar \">قال مجاهد : <span class=\"arabic qpc-hafs\">( فقد استمسك بالعروة الوثقى )</span> يعني : الإيمان .<span class=\"blue\"> وقال السدي :</span> هو الإسلام .<span class=\"blue\"> وقال سعيد بن جبير والضحاك :</span> يعني لا إله إلا الله .<span class=\"blue\"> وعن أنس بن مالك :</span> <span class=\"arabic qpc-hafs\">( بالعروة الوثقى )</span> : القرآن .<span class=\"blue\"> وعن سالم بن أبي الجعد قال :</span> هو الحب في الله والبغض في الله .</p><p>وكل هذه الأقوال صحيحة ولا تنافي بينها .</p><p>وقال معاذ بن جبل في قوله : <span class=\"arabic qpc-hafs\">( لا انفصام لها )</span> أي : لا انقطاع لها دون دخول الجنة .</p><p lang=\"ar\" class=\"ar \">وقال مجاهد وسعيد بن جبير : <span class=\"arabic qpc-hafs\">( فقد استمسك بالعروة الوثقى لا انفصام لها )</span> ثم قرأ : <span class=\"arabic qpc-hafs\">( إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم )</span> <span class=\"reference brown\">[ الرعد : 11 ]</span> .</p><p lang=\"ar\" class=\"ar \">وقال الإمام أحمد : حدثنا إسحاق بن يوسف حدثنا ابن عون عن محمد عن قيس بن عباد قال : كنت في المسجد فجاء رجل في وجهه أثر من خشوع ،<span class=\"blue\"> فدخل فصلى ركعتين أوجز فيهما فقال القوم :</span> هذا رجل من أهل الجنة .<span class=\"blue\"> فلما خرج اتبعته حتى دخل منزله فدخلت معه فحدثته فلما استأنس قلت له :</span> إن القوم لما دخلت قبل المسجد قالوا كذا وكذا .<span class=\"blue\"> قال :</span> سبحان الله ما ينبغي لأحد أن يقول ما لا يعلم ،<span class=\"blue\"> وسأحدثك لم :</span> إني رأيت رؤيا على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فقصصتها عليه : رأيت كأني في روضة خضراء -<span class=\"blue\"> قالابن عون :</span> فذكر من خضرتها وسعتها - وسطها عمود حديد أسفله في الأرض وأعلاه في السماء في أعلاه عروة ،<span class=\"blue\"> فقيل لي :</span> اصعد عليه فقلت : لا أستطيع .<span class=\"blue\"> فجاءني منصف قال ابن عون :</span> هو الوصيف ، فرفع ثيابي من خلفي ،<span class=\"blue\"> فقال :</span> اصعد .<span class=\"blue\"> فصعدت حتى أخذت بالعروة فقال :</span> استمسك بالعروة . فاستيقظت وإنها لفي يدي ، فأتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقصصتها عليه .<span class=\"blue\"> فقال :</span> <span class=\"red\">\" أما الروضة فروضة الإسلام ، وأما العمود فعمود الإسلام ، وأما العروة فهي العروة الوثقى ، أنت على الإسلام حتى تموت \"</span> .</p><p lang=\"ar\" class=\"ar \">قال : وهو عبد الله بن سلام أخرجاه في الصحيحين من حديث عبد الله بن عون وأخرجه البخاري من وجه آخر ، عن محمد بن سيرين به .</p><p lang=\"ar\" class=\"ar \">طريق أخرى وسياق آخر : قال الإمام أحمد : حدثنا حسن بن موسى وعفان قالا : حدثنا حماد بن سلمة ،<span class=\"blue\"> عن عاصم بن بهدلة عن المسيب بن رافع عن خرشة بن الحر قال :</span> قدمت المدينة فجلست إلى مشيخة في مسجد النبي صلى الله عليه وسلم .<span class=\"blue\"> فجاء شيخ يتوكأ على عصا له فقال القوم :</span> من سره أن ينظر إلى رجل من أهل الجنة فلينظر إلى هذا . فقام خلف سارية فصلى ركعتين فقمت إليه ،<span class=\"blue\"> فقلت له :</span> قال بعض القوم : كذا وكذا .<span class=\"blue\"> فقال :</span> الجنة لله يدخلها من يشاء ، وإني رأيت على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم رؤيا ،<span class=\"blue\"> رأيت كأن رجلا أتاني فقال :</span> انطلق . فذهبت معه فسلك بي منهجا عظيما فعرضت لي طريق عن يساري ، فأردت أن أسلكها .<span class=\"blue\"> فقال :</span> إنك لست من أهلها . ثم عرضت لي طريق عن يميني فسلكتها حتى انتهت إلى جبل زلق فأخذ بيدي فزجل فإذا أنا على ذروته ،<span class=\"blue\"> فلم أتقار ولم أتماسك فإذا عمود حديد في ذروته حلقة من ذهب فأخذ بيدي فزجل حتى أخذت بالعروة فقال :</span> استمسك .<span class=\"blue\"> فقلت :</span> نعم . فضرب العمود برجله فاستمسكت بالعروة ،<span class=\"blue\"> فقصصتها على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال :</span> <span class=\"red\">\" رأيت خيرا ، أما المنهج العظيم فالمحشر ، وأما الطريق التي عرضت عن يسارك فطريق أهل النار ، ولست من أهلها ، وأما الطريق التي عرضت عن يمينك فطريق أهل الجنة ، وأما الجبل الزلق فمنزل الشهداء ، وأما العروة التي استمسكت بها فعروة الإسلام ، فاستمسك بها حتى تموت \"</span> .<span class=\"blue\"> قال :</span> فإنما أرجو أن أكون من أهل الجنة .<span class=\"blue\"> قال :</span> وإذا هو عبد الله بن سلام .</p><p lang=\"ar\" class=\"ar \">وهكذا رواه النسائي عن أحمد بن سليمان عن عفان ، وابن ماجه عن أبي بكر بن أبي شيبة ، عن الحسن بن موسى الأشيب كلاهما عن حماد بن سلمة به نحوه . وأخرجه مسلم في صحيحه من حديث الأعمش عن سليمان بن مسهر عن خرشة بن الحر الفزاري به .</p>"}}
